عبد الشافى محمد عبد اللطيف
366
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
وروايته وتقدمه في الصناعة التي كانت بيده » ا . ه . ويضيف ابن القوطية خبرا له مغزاه ، ينبغي ذكره ، ملخصه أن « زرياب » غنى الأمير عبد الرحمن صوتا استحسنه ، فأمر خزان بيت المال أن يدفعوا له ثلاثين ألف دينار ، ولكنهم رفضوا ، وقالوا : نحن وإن كنا خزان الأمير أبقاه اللّه فنحن خزان بيت مال المسلمين ، نجبي أموالهم وننفقها في مصالحهم ، ولا واللّه ما ينفذ هذا ولا منا من يرضى أن يرى هذا في صحيفته غدا أن نأخذ بثلاثين ألفا من أموال المسلمين ، وندفعها إلى مغنّ في صوت غناه ، يدفع إليه الأمير أبقاه اللّه مما عنده - أي : من ماله الخاص وليس من مال المسلمين - فلما أخبر الأمير بذلك كان « زرياب » حاضرا فقال : ما هذه طاعة - كأنه يحرض الأمير على خزان بيت المال ؛ لأنهم عصوا أوامره - أما الأمير عبد الرحمن فقال : هذه الطاعة ، ولأولينهم الوزارة على هذا الأمر ، وصدقوا فيما قالوا ، ثم أمر بدفعه إلى « زرياب » مما عنده . ما أجمل الأمراء عندما يستجيبون لنصح الناصحين ! ثالثا : في الصفحات السابقة وضحنا أن الأمويين في الأندلس سلكوا في بناء نهضة حضارية عربية إسلامية على أرض الأندلس ثلاث طرق ، تحدثنا عن اثنتين منها وهما : بعث طلاب العلم والعلماء إلى المشرق الإسلامي للتزود بكل جديد في كل العلوم العربية الإسلامية وعلوم الطب والفلك والكيمياء والفيزياء . . . إلخ والعودة بهذا الحصاد إلى الأندلس وكانوا مدركين أنه بدون هذا التواصل العلمي مع المشرق فلن يتأتى لهم بناء الحضارة التي يتوقون إليها ويطمحون أن تضاهي حضارة بغداد . والطريق الثاني : استقدام علماء من المشرق إلى الأندلس للانتفاع بعلمهم ، وفي الصفحات التالية نوجز القول في الطريق الثالث الذي سلكه الأمويون في الأندلس لبناء نهضتهم الحضارية ؛ وهو الكتاب ، فالكتاب هو سيد الموقف في الفكر الإنساني بلا خلاف ، فمهما تقدمت وسائل التعليم سيبقى هو في مكانته ليس له بديل في ملء العقول بالعلم والفكر ، من هنا أعطى الأمويون قضية الكتاب وإحضاره من الشرق والغرب أيضا إلى الأندلس أهمية قصوى ، وفي هذه المسألة ربما كانت مهمتهم أسهل نسبيّا من مهمة العباسيين ؛ لأن العباسيين اضطلعوا بعبء الترجمة من اللغات الأجنبية ، وبصفة خاصة الهندية والفارسية واليونانية إلى اللغة العربية ، وهو عبء ثقيل ومكلف ماديّا ، ففوق ما وجده العباسيون على الأرض التي